الغزالي
172
إحياء علوم الدين
يعلم أنه سبحانه وتعالى يلون ولا يتلون ، ويغير ولا يتغير ، بخلاف عباده وذلك العلم يحصل للمريد باعتقاد تقليدي إيماني ، ويحصل للعارف البصير بيقين كشفي حقيقي ، وذلك من أعاجيب أوصاف الربوبية وهو المغير من غير تغير ، ولا يتصور ذلك إلا في حق الله تعالى بل كل مغير سواه فلا يغيره ما لم يتغير ، ومن أرباب الوجد من يغلب عليه حال مثل السكر المدهش ، فيطلق لسانه بالعتاب مع الله تعالى ، ويستنكر اقتهاره للقلوب وقسمته للأحوال الشريفة على تفاوت ، فإنه المستصفى لقلوب الصديقين ، والمبعد لقلوب الجاحدين والمغرورين فلا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، ولم يقطع التوفيق عن الكفار لجناية متقدمة ، ولا أمد الأنبياء عليهم السلام بتوفيقه ونور هدايته لوسيلة سابقة ، ولكنه قال * ( ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) * « 1 » وقال عز وجل : * ( ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ من الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) * « 2 » وقال تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ) * « 3 » فإن خطر ببالك أنه لم اختلفت السابقة ، وهم في ربقة العبودية مشتركون نوديت من سرادقات الجلال لا تجاوز حد الأدب ، فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولعمري تأدب اللسان والظاهر مما يقدر عليه الأكثرون ، فأما تأدب السر عن إضمار الاستبعاد ، بهذا الاختلاف الظاهر في التقريب والإبعاد ، والإشقاء والإسعاد مع بقاء السعادة والشقاوة أبد الآباد ، فلا يقوى عليه إلا العلماء الراسخون في العلم ، ولهذا قال الخضر عليه السلام لما سئل عن السماع في المنام أنه الصفو الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء ، لأنه محرك لأسرار القلوب ومكامنها ، ومشوش لها تشويش السكر المدهش الذي يكاد يحل عقدة الأدب عن السر ، إلا ممن عصمه الله تعالى بنور هدايته ، ولطيف عصمته ولذلك قال بعضهم ليتنا نجونا من هذا السماع رأسا برأس ، ففي هذا الفن من السماع خطر يزيد على خطر السماع المحرك للشهوة ، فإن غاية ذلك معصية وغاية الخطأ هاهنا كفر واعلم أن الفهم قد يختلف بأحوال المستمع ، فيغلب الوجد على مستمعين لبيت واحد وأحدهما مصيب في الفهم ، والآخر مخطئ ، أو كلاهما مصيبان ، وقد فهما معنيين مختلفين متضادين
--> « 1 » الصفات : 171 « 2 » السجدة : 13 « 3 » الأنبياء : 101